الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي
37
حاشية المكاسب
الشّارع هو الموجد للغيبة وهو اثنان المتكلَّم والسّامع هذا بتكلَّمه وإصداره وذاك بإصغائه وتحمله فلو لا الإصغاء من هذا لم تتحقّق غيبة كما أنّه لولا التكلم من ذاك لم تكن غيبة وهذا التّعميم في حكم الغيبة وإن لم نفهمه نحن لو خلَّينا وأنفسنا إذ ظاهر أدلَّة الغيبة حرمة الغيبة بمعنى الإصدار لها لا بمعنى الانفعال والتّحمل لها إلَّا أنّ الشّارع بهذه العبارة نبه على ذلك التّعميم مضافا إلى التّنبيه فيها على نكتة المشاركة وأنّها هي المشاركة في إيجاد الغيبة وتحقيقها في الخارج ومن هنا صحّ لنا أن نقول إنّ ظاهر العبارة المغتابين بصيغة التثنية مع كون المشاركة في الحكم لا بالتّنزيل للسّامع منزلة المتكلَّم بل بإعطاء الحكم له ابتداء بلا توسّط التّنزيل منزلة المتكلَّم بل بما أنه موجد للغيبة وأنّ الحكم بمناط إيجاد الغيبة وتحقيقها في الخارج والسّامع والمتكلَّم متشاركان في عليّة تحقّق الغيبة كاجتماع اثنين على قتل واحد وعلى هذا يكون مفاد العبارة أنّ السّامع لكلّ غيبة يشارك المتكلَّم بتلك الغيبة إن خيرا فخيرا وإن شرّا فشرّا فإذا حرمت الغيبة في حقّ المغتاب حرم السّماع في حقّ السّامع وإذا جازت الغيبة لشيء من المسوّغات جاز السّماع بعين ذلك المسوّغ بلا حاجة إلى مسوّغ آخر في حقّ السّامع مثلا إذا كان المغتاب بالفتح ظالما للمغتاب بالكسر جازت غيبته للمظلوم وجاز سماع غيبته للسّامع ولا يحتاج جواز السّماع إلى أن يكون ظالما للسّامع أيضا ثم المشاركة في الحكم هي المشاركة في الحكم الواقعي لا الاعتقادي فمع وجود المسوّغ الواقعيّ جازت الغيبة والسّماع منهما ومع عدمه حرما عليهما سواء اتّفقا في اعتقاد تحقّق المسوغ أو اتّفقا في اعتقاد عدم تحقّقه أو اختلفا في الاعتقاد ومع الاختلاف كلّ يعمل على طبق اعتقاده ولا ينظر إلى اعتقاد صاحبه فإذا اعتقد المتكلَّم وجود المسوّغ واعتقد السّامع عدمه لم يجز له السّماع لأنّه يرى الفعل من صاحبه محرّما واقعيّا وإن كان معذورا فيه والفرض أنه يشاركه في الحكم الواقعيّ دون الاعتقادي وأمّا إذا جهل الحال ولم يعلم بوجود المسوّغ ولا بعدمه فأصالة الصّحة في فعله وإن كانت لا تجدي إذ لا أثر لها بالنّسبة إلى جواز الاستماع لعدم تفرّع حكم الاستماع على حكم الغيبة وعدم كونه من آثاره ولوازمه وإنّما هو من ملازماته لأنّه الذي استفدناه من دليل السّامع أحد المغتابين والملازم وإن كان شرعيّا لا يترتّب على الأصل فأصالة الصّحة في فعل المتكلَّم إنّما تجدي في عدم وجوب نهيه لا في جواز استماعه إلَّا أنّ أصالة البراءة عن حرمة الاستماع يقتضي جواز الاستماع فإنّ الدّليل على حرمته هو أخبار السّامع أحد المغتابين المستفاد منه مشاركة السّامع للمتكلَّم في الحكم لكن لم يعلم فعلا حرمة فعل المتكلَّم ليحكم بحرمة فعل السّامع يرجع في أصالة البراءة والتّمسك بإطلاق لا تغتب لإثبات حرمة فعل المتكلَّم في مورد الشكّ ثم الحكم بحرمة فعل السّامع بدليل السّامع أحد المغتابين في غير محلَّه لتقييد الإطلاق بمورد وجود المسوّغات والشبهة في المقام مصداقيّة نعم إن كان الأصل الموضوعي قاضيا بعدم المسوّغ حكم بذاك الأصل بحرمة فعل المتكلَّم ثم بضمّ قاعدة السّامع أحد المغتابين حكم بحرمة فعل السّامع كما أنّ الأصل الموضوعي لو كان قاضيا بوجود المسوّغ حكم بعكس ذلك بلا حاجة إلى الرّجوع إلى أصالة البراءة قوله قدس سره والظَّاهر أنّ الرّد غير النّهي بل الظَّاهر أنه عينه فإن الرّد هو المنع والدّفع وظاهر الأخبار ردّ القول لا ردّ المعنى المقول وإبطاله بذكر محامل صحيحة أو بذكر ما يناقضه ثم إنّ الرّد كما يحصل بالقول كذلك قد يحصل بالفعل بالانقباض وإظهار التأذّي وعدم التوجّه والإقبال إلى كلام المتكلَّم ومقابله الانبساط والانشراح وكمال التّوجه إلى كلامه الممدّد له والمرغَّب له في إطالة الكلام قوله قدس سره سمّي صاحبه ذو اللَّسانين نمنع صدق ذي اللَّسانين بمجرّد ذكر صفاته الحسنة في حضوره وصفاته السيّئة في غيابه نعم إذا أظهر بذكر صفاته الحسنة في حضوره أنه ممن يستحقّ المدح أو أنّه ممّن لا صفة ذميمة فيه صار ذو اللَّسانين إذا ذمّه في قفاه وإلَّا فمجرّد ذكر إحدى الصّفتين في الحضور والأخرى في الغياب كان المذكور في الحضور صفته الحسن وفي الغياب صفته السّوء أو بالعكس لا يوجب اشتداد الحكم وقد يذكر كلتا الصّفتين في حضوره أو كلتاهما عند غيابه ولعلّ اللَّسانين من نار من جهة أنّ لسان الحضور لا محالة يكون لسان كذب لعدم إمكان صدقه في كلا اللَّسانين وغالبا يكون لسان الحضور لسان كذب دون لسان الغياب فيكون كاذبا في لسان حضوره ومستغيبا في لسان غيابه فبهذا الاعتبار يكون له لسانان من نار قوله قدس سره لأنه جامع بين مفسدتي بل نفس عنوان الافتراء عنوان قبيح أقبح من عنوان الغيبة مع قطع النظر عن كونه جامعا لعنواني الكذب والغيبة بل ليس واجدا لعنوان الغيبة لاعتبار الصدق ومطابقة الواقع في تعريف الغيبة قوله قدس سره من جهة كل من العنوانين والمركَّب ليس المركب عنوانا في عرض العنوانين ليستحقّ العقاب من جهته مضافا إلى ما يستحقّه من جهة العنوانين بل المركَّب متولَّد من نفس العنوانين بل هو عينهما في الخارج فلا يستحقّ إلَّا عقاب العنوانين هذا على تقدير عدم اعتبار الصّدق في مفهوم الغيبة وإلَّا فلا غيبة بل كذب خالص والافتراء ليس إلَّا الكذب لا شيء آخر نعم هو كذب خاص ولعلَّه أشدّ قبحا وتكليفا وعقابا من مطلق الكذب قوله قدس سره بالأخ العارف بهذه الحقوق المؤدّي لها ولازم هذا عدم رجحان القيام من كل واحد بأدائها إلَّا بعد أداء الآخر وهذا يؤدّي إلى ترك القيام بها رأسا فيعتذر كلّ في عدم قيامه بعدم قيام آخرين وبالنّتيجة الكلّ لا يقومون بها وهذا باطل بالقطع فالصواب أن يقال إنّ رجحان القيام من كلّ من الجانبين مطلق غير مقيّد بقيام الآخر نعم عدم قيام الآخر بعدم قيام هذا رافع للرّجحان أو لتؤكَّد الرجحان قوله قدس سره ولا يخفى أنه إذا لم تكن الصّدقة المراد من الأخوّة هو الاشتراك في الانتساب إلى أب واحد روحاني هو صاحب الشّريعة وهذا هو المعنى من قولهم المؤمن أخ المؤمن وإنّما المؤمنون إخوة وأمّا الصّداقة فهي عبارة عن القيام بوظائف الأخوّة الَّتي جعلها الشارع فإن التزموا فهم أصدقاء وإلَّا فهي أخوّة سازجة بلا صداقة وتشهد لما قلناه عبارة نهج البلاغة المنقولة في المتن ولا ينافي هذا نفي الأخوّة مع عدم القيام بالوظائف فإنّ ذلك من المبالغة ونفي الحقيقة بنفي الصّفة كما في قوله ع يا أشباه الرّجال ولا رجال وإلَّا لم يكن مجال للتعريض والاعتراض بعدم القيام بحقوق الأخوّة فإنّهم حينئذ ليسوا بإخوة ليلزمهم القيام بحقوقها قوله قدس سره وحكي عن جماعة أنّه قد يطلق على اللعب بهذه الأشياء مطلقا ليست النسبة بين المعنيين هي العموم والخصوص المطلق بل هما متباينان سواء أريد من الرّهن في المعنى الأوّل معناه المصدري ليكون عبارة عن المعاملة الخاصّة أو معناه الاسمي ليكون بمعنى نفس المال المشترط في القمار فإنّ المعنيين أجنبيان عن اللَّعب المحكي تفسيره به عن الجماعة والمحصّل من الأخبار وهذه العبارات معان أربعة للقمار نفس الآلات واللعب بها والمعاملة الواقعة على اللَّعب بها والمال المجعول في المعاملة هذا مع قطع النّظر عن الاختلاف في اعتبار اللَّعب بآلات مخصوصة أو اعتبار جعل الرّهن في مفهوم القمار والظَّاهر المتبادر عرفا من القمار هو اللَّعب بآلات مخصوصة بلا اعتبار الرّهن في مفهومه نعم لو أطلق لا يبعد أن ينصرف إلى ما اشتمل على الرّهن قوله قدس سره إنّ أصل المقامرة المغالبة في التعبير إيماء بأن إطلاقها فعلا ليس بذاك المعنى العام وإن كان إطلاقها على المغالبة الخاصّة بمناسبته فلا ينبغي جعل هذا دليلا على أنّ المغالبة المطلقة من جملة معانيه بل هو دليل على العكس قوله قدس سره لأنّ اللَّعب قد يكون بآلات القمار الظَّاهر أنّ مراده بآلات القمار الآلات المعدّة للقمار بحيث لم تكن لها منفعة غير القمار كما صرّح بذلك